الاستشراف الحضري

يعتبر التمدن المتنامي توجها عميقا ولا رجعة فيه. من هنا يتضح بشكل جلي أن الأبحاث الاستشرافية حول الديناميات الحضرية تعنى بمستقبل المدن بمختلف نتائجها وأشكالها ووظائفها وأدوارها التي يمكن أن تظطلع بها  في سياق العولمة والتغيرات الناجمة عن تطور تكنولوجيات الإعلام والتواصل وعن التحديات التي يمكن أن تواجهها في مجال الهوية والتلاحم الاجتماعي والقدرة على التكيف والاستجابة للديناميات المتنامية.

لذا، يتعين تمكين المجال الترابي من فرصة "للتفكير" في مستقبله وبمعنى آخر يتعين توفير مجموعة من الآليات الكفيلة ببلورة "رؤية" تجسد واقع حاله وتموقعه. كما يلزم الفاعلين في المجال علاوة على تملك الوسائل المفاهيمية والتقنية لبلورة الرؤية المذكورة أن يكونوا قادرين كذلك على تقاسم تحليلاتهم مع بناء "تصور مشترك".

وفي سياق يتطور بشكل سريع، فإن الآليات التقليدية للتخطيط والتوقعات والعمل الجماعي أصبحت متجاوزة. وتعتبر في هذا الباب مديرية التعمير الإس   شراف الحضري كلازمة لاستدامة التمدن من شأنها أن تعطي مصداقية للتخطيط الترابي وكآلية مساعدة لفهم التحولات التي تشهدها المجالات وذلك بمقاربة الإشكالات في شموليتها من خلال استباقها وإرساء حوار جماعي حول رهاناتها المستقبلية وحول الخيارات المترتبة عنها وذلك في أفق تعبئة مختلف الفاعلين لتبني استراتيجيات طموحة قبلية أو استباقية من شأنها ضمان حكامة جيدة للمجالات الترابية.

وتتطلع مديرية التعمير من خلال المقاربات الاستشرافية التي تتبناها إلى بلورة رؤى وآفاق وتوجهات أساسية تهم مستقبل المجالات الترابية وذلك باستحضار التطورات المستقبلية الممكنة والمتعلقة ببعض الرهانات المعتمدة نذكر منها على وجه الخصوص الحركية والتنقلات الحضرية والامتدادات العمرانية الأفقية ومستقبل الفلاحة بضواحي المدن علاوة على الكثافات والأشكال الحضرية في علاقاتها بتطور أنماط الحياة والنمو الديموغرافي، وذلك بهدف تنوير أصحاب القرار وتمكينهم من اتخاذ القرارات المؤسسة على خيارات استراتيجية تسمح بالإجابة على الانشغالات التالية:

- أي مشروع ترابي للغد وأي نمط من التنظيم الحضري للمدينة يتعين وضعه لضمان تنمية مستدامة وعيش كريم؟

- كيف يمكن ترجمة تمرين الاستشراف والحكامة المحلية في التنظيم الترابي للمجال؟

- كيف يمكن للفاعلين المحليين تطوير رؤية استشرافية لمجالهم الترابي؟

- كيف يمكن إدماج من منظور التفكير واتخاذ القرار الثروات الفريدة والخصوصيات المحلية لبعض المجالات؟

 ومن هذا المنظور فإن تطوير مقاربة جيدة للاستشراف الحضري يفرض إحداث توازن جديد يزاوج بين "المعرفة" و"اتخاذ القرار" مما من شأنه الاسهام في إعادة هيكلة منظومة الفاعلين على نحو يسمح بإعادة توزيع لقدرات التدخل وللشرعيات المتعلقة بالتخطيط والتدبير الحضري.

فهذا المنعطف الحاسم للاستشراف الحضري يتجلى كذلك من خلال إنتاج تمثلات جديدة وتمظهرات للمدينة تهدف إلى الحد من تضارب المصالح ذات الصبغة الاجتماعية والترابية المرتبطة بتوظيف الفضاءات الحضرية واستيعاب بعض التوترات الاجتماعية التي قد تنتج عنها مع الحرص على رفع تحديات التمدن والإستدامة.

تزداد الكوارث الطبيعية التي تهدد المناطق المفتوحة للتعمير سنة بعد أخرى، فإذا كانت الأضرار في ارتفاع، فإن ذلك يعزى إلى أن الرهانات المتعلقة بالسكن والأنشطة والبنيات التحتية والمرافق تتواجد أحيانا في مناطق معرضة للخطر، كما يشهد على ذلك التمدن المتنامي للمناطق الحساسة.