تعزيز التنمية الشاملة

البرنامج الوطني للتنمية المندمجة للمراكز القروية الصاعدة
1-السياق العام

تضم المجالات القروية في المغرب أكثر من 33000 دواراً ومركزاً قرويا، وقد سبق لها أن استفادت من سياسات عمومية خاصة، لكنها لا تزال فيما يبدو تعرف فوارق مهمة جدا في مستويات التنميةً.  فهي تعرف ضعفا فيما يتعلق بتوفير المرافق والخدمات والاستثمارات العمومية من أجل ضمان رفاهية المواطنين وإطلاق دينامية اقتصادية شاملة ومستدامة لصالح الشباب والنساء.

وفي إطار تحسين الاستثمار العمومي في هذه المجالات ومن أجل تدخلات تشجع الانشطة المندمجة والتشاركية واعتماد مقاربة ترابية وبغية تعزيز كفاءة وفعالية السياسات العمومية في هذا المجالات تعد تنمية المراكز القروية الصاعدة الإطار الأمثل لتركيز الجهود العامة بهدف جعلها قاطرة لتسريع وثيرة تنمية المناطق القروية.

يندرج الاهتمام بالمراكز القروية الصاعدة ضمن اهتمامات اعداد التراب الوطني من خلال الاهتمام بالروابط بين المناطق الحضرية والقروية وتأطير المناطق القروية وتوفير الخدمات العمومية وتعزيز جاذبية المجالات القروية وضمان تنميتها المستدامة. لقد وضع التصميم الوطني لإعداد التراب اشكالية المدن الصغيرة / المراكز القروية في ارتباطها الوثيق بالتنمية القروية. وأوصى بتقوية هذه المراكز من خلال تعزيز وظائفها الترابية وتنويع قاعدتها الاقتصادية.

خصوصا، وأن الإجراءات والتوجيهات التي اتخذت في إطار سياق استراتيجية التنمية القروية 2020 بخصوص إنعاش الوسط القروي من خلال تحسين مستوى المعيشة وخلق فرص العمل والتنمية الاقتصادية، يرتكز إلى حد كبير تعزيز التأهيل العمراني الوسيطي. ومن هذا المنطلق تعد المراكز القروية الصاعدة أداة أساسية للتنمية القروية.  فهي في واقع الأمر تمثل مجالات "فاصلة" ذات أهمية خاصة وواقعا لا يمكن تجاهله في عملية التمدين الحالية في المغرب. في هذا الصدد فإنها تشكل بعدًا هامًا في التطور الديموغرافي والحضري للمغرب المعاصر.

وعلى هذا النحو فإن وضع مقاربة لتنمية المراكز القروية الصاعدة سوف يمكن من:

  • المساهمة في تقليص الاختلالات والتفاوتات الاجتماعية والمجالية بين المدن والأرياف؛
  • تخفيف عبئ الهجرة القروية الذي تتحمله حالياً المدن الكبرى والمدن المتوسطة؛
  • تنظيم التنمية الترابية من خلال التركيز على هذه المراكز وتصور تطورها على أساس المعايير الاجتماعية-الاقتصادية والبيئية؛
  • تأهيل الاقتصاد القروي عبر تنويع أنشطته الشبه الزراعية؛
  • توجيه الاستثمار العمومي المخصص لهذه المراكز وتحسين استعمال الموارد المتاحة مع العمل على تشجيع الاستثمار الخاص؛
  • تحسين ظروف عيش الساكنة القروية من خلال تلبية الحاجيات على مستوى السكن والخدمات الاجتماعية والصحية والترفيهية والتعليمية وتقوية المهارات والتكوين المهني ...

في الوقت الراهن يعد التدخل على مستوى المراكز القروية الصاعدة أحد الأولويات المحددة في برنامج الحكومة للفترة 2017-2021، فضلاً عن برامج التنمية الجهوية. وتجدر الاشارة إلى أنه سبق الشروع في انجاز العديد من المبادرات التي تروم تعريف هذه المراكز وتحديد الأولويات التدخل بها. ومع ذلك، فقد أضحى من الضروري الآن إعداد رؤية مشتركة لتنسيق وتوحيد التدخلات العمومية في هذه المجالات.

وفي هذا السياق وضعت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ضمن أولوياتها بلورة البرنامج الوطني للتنمية المندمجة للمراكز القروية الصاعدة وذلك في إطار مقاربة تشاورية وتشاركية مع جميع الفاعلين المعنيين.

 2-أهداف البرنامج

يتمثل الهدف من بلورة برنامج تنمية المراكز القروية الصاعدة في إعداد رؤية تنموية ارادية لتنمية المجالات القروية، والتي تهدف إلى تزويدها بالبنية التحتية الأساسية (الماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق ...) والتجهيزات الجماعية ومرافق القرب (تجهيزات مدرسية ومرافق التكوين ومركز الصحي ومكتب البريد والملاعب الرياضية والمساحات المخصصة للمحلات والصناعات...).

بالإضافة إلى ترسيخ البنية التحتية، يجب أن يعزز هذا التدخل التنمية الاقتصادية لهذه المراكز من أجل خلق الثروة ومن تم خلق مناصب الشغل.

في الواقع، يجب أن يرتبط كل مركز بنشاط اقتصادي مدر للدخل: الصناعات التحويلية والصناعة التقليدية والصيد والسياحة القروية... إلخ.  يجب أن يكون للمراكز التي سيتم اختيارها وظيفة، خاصة وأن احمل مشعل التنمية يجب أن يتم ضمانه فيما بعد من قبل الساكنة نفسها والقطاع الخاص.  يتمثل الهدف المنتظر من البرنامج في بناء رؤية شمولية تمكن من تنمية المراكز القروية الصاعدة ومواكبة الفاعلين الجهويين والمحليين في تنفيذها. تتمثل أهداف هذا البرنامج فيما يلي:

  • تحديد المجالات التي تتوفر على مجموعة من المقومات التنموية القادرة على تأطير دينامية المجالات المحيطة بها؛
  • تعزيز مقاربة ترابية تشاركية تمكن من التقائية التدخلات في المناطق القروية وشبه الحضرية. ؛
  • تطوير أنماط جديدة للتدخل تتلاءم مع الإمكانات الترابية المحلية؛
  • وضع آليات الحكامة تنبني على الشراكة في إطار تعاقدي يسهل تعبئة الموارد؛
  • تعزيز التنافسية المجالية من خلال الاستهداف وتحقيق المستوى الأمثل لتجانس التدخلات العمومية المختلفة.

3-المحتوى والانتظارات

بشكل عام سوف تتمفصل بلورة البرنامج حول المراحل التالية:

  • اقتراح مقاربة منهجية ومعايير لتحديد واستهداف المراكز القروية الصاعدة؛
  • تصنيف المراكز إنطلاقا من التشخيص الترابي وفقا لدرجة أولوية التدخل المحددة على أساس قاعدة المؤشرات وتحديد شبكة المراكز القروية الصاعدة المختارة على المستوى الوطني؛
  • بلورة رؤية شمولية استشرافية متناسقة ومتجانسة لتنمية المراكز القروية المستهدف وفقا لمؤهلاتها وخصوصياتها الترابية؛
  • تنزيل الرؤية من خلال محاور التنمية وخطط العمل تمكن من الشروع في تفعيل الشطر الأولوي من مشاريع التنمية التي تستهدف المراكز القروية ومناطق نفوذها؛
  • تحديد آليات التنفيذ والمتابعة على مستوى الحكامة والمؤسسات والتعاقد والتمويل والتي يمكن تكييفها حسب الخصائص الترابية للمراكز القروية.

ولتحقيق النتائج المتوخاة من هذا البرنامج فإنه من المقرر الشروع في بلورة البرنامج بناء على خبرة ستقدم، على وجه الخصوص، الرؤية الوطنية لتنمية المراكز القروية الصاعدة بالإضافة إلى إعداد مخططات التنمية الخاصة بالمراكز القروية المختارة وفقا لإمكاناتها ومؤهلاتها. وبالإضافة إلى ذلك يجب أن تأخذ مخططات التنمية بعين الاعتبار البرمجة المنصوص عليها في مخططات التنمية الموجودة أو تلك التي قيد التفعيل.  وعليه فإنه حري بتلك المخططات أن تقترح حلولاً مبتكرة فيما يخص:

  • تعبئة العقار المتاح لسد العجز في السكن أو العقار المخصص للأنشطة الصناعية واللوجستيكية. ويمكن القول اليوم بأن المراكز القروية الصاعدة تعد فرصة مواتية لحل جزئي لأزمة العقار في التجمعات السكانية المجاورة. وبالتالي يمكن للسلطات العمومية عبر تدعيم عملية التمدين الوسيطي أن تعمل على تخفيف الضغط على العقار الضروري في المدن الكبرى لصالح مشاريع السكن الاجتماعي وإعادة إواء ساكنة مدن الصفيح أو القيام بخلق مناطق صغيرة ملائمة للأنشطة الحرفية والصناعية مما يجنب انتشار الوحدات الصناعية في الأرياف؛
  • اقتراح حوافز استثمارية مبتكرة لتشجيع خلق مقاولات صغرى ومتوسطة في المراكز ذات الدينامية الداخلية الفعلية تمكن من تقوية قواعدها الاقتصادية بطريقة مستدامة ومن تم إعدادها لتصبح مدنا صغرى؛
  • تحسين الظروف المعيشية للساكنة القروية عبر الإمداد التدريجي لمرافق وخدمات القرب والتجهيزات العمومية من قبيل المستوصف ومكتب البريد والمدرسة الجماعاتية ودور الشباب...الخ أو تعزيز التكوين والإعلام مع العمل على تبني تصور تنموي مستدام.

المشاريع المندمجة للتنمية القروية
1- الأهداف

تشكل التنمية القروية أحد الأهداف الرئيسية لسياسة إعداد التراب الوطني التي تسهر على تفعيلها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وذلك عبر تنفيذ مقاربة ترابية شمولية تهدف إلى تنمية متناغمة ومتوازنة للمجالات القروية بمختلف مكوناتها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

وقد بادرت الوزارة إلى ترجمة هذا الاهتمام بالتنمية القروية المستدامة من خلال بلورة استراتيجية وطنية للتنمية القروية تضع أسس لرؤية استراتيجية تنموية مندمجة للمجالات القروية. ووعيا منها بأهمية التنمية الترابية فقد انخرطت الوزارة منذ سنة 2007 في مسلسل مواكبة ودعم المجالات القروية.

وتتمثل أهداف هذه الاستراتيجية فيما يلي:

  • تحسين مستوى استقطاب الوسط القروي عبر التركيز على تقوية التجهيزات والبنيات التحتية الأساسية بغية تحسين ظروف العيش وتأهيل العمران بالمجالات القروية؛
  • الرفع من تنافسية الاقتصاد القروي من خلال تنويع أنشطته الأساسية سعيا لتحسين مستوى تنافسية القطاع الفلاحي وتنمية الأنشطة غير الفلاحية؛
  • العمل على توفير شروط الاستدامة البيئية بهدف حث كافة المتدخلين والفاعلين للمساهمة الفعالة في المحافظة على بيئة المجالات القروية وتثمين مواردها الطبيعية.
  • خلق إطار مؤسساتي وسياسي ملائم لتعزيز عملية التنمية القروية المستدامة.

وتجدر الاشارة إلى أن المقاربة التي اعتمدتها الوزارة ترتكز أساسا على التراكمات المعرفية والأدوات المنهجية والمعارف الاستراتيجية لإعداد التراب الذي أبرز الحاجة إلى ضرورة معالجة مغايرة لوضعية العالم القروي بطريقة تمكن من تقليص الاختلال الهيكلي الذي يعاني منه.

ترتكز المقاربة الجديدة للتنمية القروية التي التزمت بها الوزارة على مجموعة من الأسس:

  • مبدأ أن التنمية هي بناء من قبل الفاعلين من أجل التحفيز الاجتماعي والاقتصادي للمجالات حيث تتمركز تنمية العنصر البشري وتطوره في قلب الاهتمامات والإجراءات المتخذة؛
  • القطع مع المقاربة السائدة والتي تجعل من التنمية الفلاحية العنصر الوحيد لأي شكل من أشكال التنمية القروية؛
  •  الترابط بين عنصري التنمية الترابية: الأرياف والمدن؛
  • مبدأ التنمية المستدامة من خلال تضامن الأجيال والمجالات.

ارتكز تنفيذ الاستراتيجية على مساهمة صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية كأداة تفعيل حقيقية لإنجاز مشاريع التنمية. وتجدر الإشارة إلى أن الصندوق يساهم مثابة رافعة تساعد على التفعيل العملياتي والإرادي لتنمية اﻟﻤﻨﺎﻃﻖ القروية.

ولبلوغ الأهداف التي سبقت الإشارة إليها سابقا عملت الوزارة على ترسيخ مقاربة ترابية وتعبئة الشراكات والتمويلات مما مكن من إنجاز المشاريع والممارسات الجيدة في مجالات ذات الأولوية في مختلف مخططات العمل الوطنية خلال الفترة الممتدة ما بين 2009-2017 ويتعلق الأمر ب:

  • شراكة مؤسسية لتنفيذ المشاريع المتعاقد بشأنها؛
  • مقاربة نموذجية وتدبير تشاركي لمشاريع التنمية القروية؛
  • إعداد مشاريع ترابية للتثمين المجالي (تأهيل المراكز القروية والبنيات التحتية الأساسية و فك العزلة....الخ)؛
  • موارد بشرية متخصصة وذات تجربة في ميدان التنمية المجالية؛
  • منتخبون على دراية بإشكاليات العالم القروي يدعون إلى تبني نماذج الأنشطة التي تم تحقيقها.

2- المقاربة الترابية

ارتكز تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتنمية القروية على المبادئ التالية:

 -الاندماجية : لا بد أن يكون مشروع التنمية الموجه للجماعة القروية أو المركز أو المنطقة الضاحوية مندمجا. ولابد أن تقوم تركيبته على عدة مكونات؛

 -الشراكة: تنبني المشاريع على شراكة تقوم على تمويل مشترك مما يكرس دور الصندوق كرافعة وليس مصدر وحيد للتمويل .وفي هذا الإطار نشدد على ضرورة مشاركة الجماعات المحلية وباقي الفرقاء الآخرين؛

الأولوية لتمويل الكفاءات الخاصة بعمل الوزارة: اعتماد أدوات البرمجة (الدراسة المتعلقة ببلورة البرنامج الوطني لتنمية المراكز الصاعدة والتخطيط الاستراتيجي الإقليمي ودراسات الجدوى). يمكن لصندوق التنمية القروية المساهمة في تمويل المشاريع كرافعة مالية؛ 

لتعاقد كألية حكامة تحدد مسؤوليات والتزامات الشركاء.

تقترح هذه المقاربة الترابية معالجة التنمية القروية المستدامة عبر تبني مقاربة شمولية تدمج البعد البيئي.

3-الحصيلة

في إطار تنفيذ الاستراتيجية التي أشرفت عليها الوزارة تم إعداد ثلاثة برامج استثمارية:

  1. برنامج الاستثمار 2009 - 2010

يضم 26 مشروعا تنمويا تم انتقائها أساسا بالارتكاز على الدراسات الاستراتيجية لإعداد التراب الوطني وبرامج وكالات التنمية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية. وقد توزعت المشاريع إلى خمس فئات تمثلت في المشاريع الترابية المندمجة والمشاريع المنبثقة عن مخططات التنمية أو برنامج المذكرة 21 والمشاريع الاستعجالية (فيضانات 2009) وأخيرا المشاريع الداعمة للمقاربة الترابية. وقد بلغت الكلفة الإجمالية 1,2 مليار درهم يساهم فيها صندوق التنمية القروية ب 655,6 مليون درهم.

 

2. برنامج الاستثمار 20102012

في هذا البرنامج الذي يضم 62 مشروعا تنمويا تم استهداف الأقاليم المستحدثة بغية دعمها وتعزيز دينامية التنمية بمجالاتها القروية. وقد توزعت المشاريع المنتقاة إلى خمس فئات همت برامج دعم وتقوية التجهيزات وفك العزلة وبرامج تحسين مؤشرات التنمية البشرية بالإضافة إلى مشاريع تنموية مندمجة. وقد بلغت الكلفة الإجمالية 637,9 مليون درهم يساهم فيها صندوق التنمية القروية ب 252,48 مليون درهم.

3. برنامج الاستثمار 20122014

لتشجيع إعداد مشاريع صاعدة من المجالات القروية وإعطائها زخما جديدا تقرر اللجوء في نهاية سنة 2012 إلى إطلاق مسطرة طلب عروض المشاريع من أجل اختيار المشاريع التنموية. وقد توجه الاختيار إلى المراكز المحددة (المراكز الحضرية بالوسط القروي) بموجب قانون التعمير، وذلك تماشيا مع توجهات البرنامج الحكومي (2012). هذا البرنامج اعتمد مقاربة تشاركية الصاعدة لدعم مبادرة الفاعلين المحليين وتعزيز المنافسة بين مختلف المجالات القروية. وينقسم تصنيف 61 مشروعًا مختارًا إلى أربع فئات هي: المشاريع الترابية ومشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومشاريع التأهيل الحضري والأنشطة الرامية إلى تعزيز البنيات التحتية الأساسية وخدمات القرب. تبلغ التكلفة الإجمالية لهذا البرنامج 957 مليون درهم يساهم فيها صندوق التنمية القروية ب 376.6 مليون درهم.

وكحصيلة عامة تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 60 ٪ من البرامج المختارة قد أنجزت أو هي في طور الانتهاء. أما فيما يتعلق بالاستهداف الترابي فقد غطت جميع البرامج والمشاريع التنموية التي أطلقتها الوزارة جميع جهات المملكة و90٪ من الأقاليم حوالي 700 جماعة يبلغ عدد سكانها حوالي ستة ملايين نسمة. وتجدر الإشارة إلى أن 50٪ من موارد المعبأة عبر الصندوق تم تخصيصها للمناطق الجبلية.